لأني أحمل الصخر وداء الحب..
و الشمس الغريبة.. أنا أبكي !
أنا أمضي قبل ميعادي …
مبكر عمرنا أضيق منا ،
عمرنا أصغر… أصغر ! *

ستة أشهر تلوح أمامي حتى أصل عمر هذا الرقم: “ السادس والثلاثون ” من زمن يقارب الموت أو يباعده!
ولا زال رغم هذا العمر هاجسي: مدينة واحدة بقدم الزمن والتاريخ فيها..
مدينة تنقسم لنصفين يتنكّران لبعضهما تماماً.. والتاريخ بينهما سجال..
مدينة أظنّها تحمّل ميادينها وقصورها وأبوابها أسرار لم يبح بها المؤرخون.

عند باب خشبي عتيق فيها وقفت مطولاً، وبانبهار سألته: ( كم عمرك يا باب، أكثر منّي بكم؟ ) لكنه لا يجيب.
أقف أمامه انتظر رده حتى لكأنّ من يمرّ بنا حينها ويراني وأنا أناجي خشباً يظنّني أهذي.. رغم أنهم -المارّون- لا يتعجبون!
ولربما وقفوا ملاصقين لي وسألوه ذات السؤال: ( كم عمرك يا باب؟ )، وأيضاً.. بانبهار.
وأظلّ بيني وبيني أفكر في تعاريجه.. وزخارفه.. وثنايا تكوينه.. كيف لو نطق! .. كيف لو تحدّث بما يعرف.. من خان، من توسّد الأماني بكاءاً، من قلبه موجوع ملاماً.. من فَرِح.. من أخذ بتلابيب الحزن ورماه من عند هذا الباب!

.. ما الملفت في باب قديم؟ ..
لو أنّه بقي شجرة لم تُقطع لأخبرنا بعمره.. لكنه من سوء حظي صيّروه باباً.. فواربوا التاريخ وحكاويه خلفه، وليس من الممتع أن تقف أمام مدخل لهكذا ماضٍ ثم لا تستنطقه بأسرار الممرات وتفاصيل غرفها..
ولذا.. فإنني بقدر ما أحببت جمال ذلك الباب كرهته لأنّه أعمى، أخرس، أصمّ.. ثم لا يعترف بما حدث ورائه.
الأبواب توصل الرسل فقط.. لكنها لا تحقق الأماني.. !
باب واحد فقط يفتح باب الأمنيات العميقة، والشّهوات لكل شيء جميل، للجنّة في الآخرة: باب الله.
وباب الله في كل مكان.. يبدأ من القلب وينتهي عند الله جلّ علاه.. !

مرّة كتبت في iGhadi على Twitter قلت أنّي كنت أتمنى في طفولتي لو تنتهي حياتي في سنّ الـ ٢٥، وللمفارقة حياتي بدأت في ذلك السن تحديداً!
ليس أنّي لا زلت أتمنى ذات الأمنية الآن فالوضع يختلف تماماً.. وبيني وبين طفولتي عقدين كاملين من العمر.. إنما لسبب بسيط في الأماني: أردت فقط رؤية والدي وجدّي.. الأول شوقاً إليه وحسرة على موته المفاجئ لطفلة تحبّه كثيراً.. والثاني لشدّة ما تحكيه جدّتها عنه ووالدتها.. تعلّقت به.

لماذا أحكي عن باب الله والموت..؟!

الموت مسار -نهائي للحياة وغيبي- يفضي في آخره إلى باب الله..
وباب الله لا يقفل..
باب الله غير موارب..
باب الله مفتوووووووح للأماني والرجاء.. والطلبات.. والدعاء.. وحتى الشكوى!
مفتوح حتى للشوق.. والحبّ..
حتى للملح ( كما قال أحد الأئمة أنّه يسأل الله كل شيء حتى الملح! ) ..
وباب الله منذ الأزل .. مفتوح لكل قلب في الدنيا وفي الآخرة.

وقلبي معلّق عند بابه.. وعند أستاره..
مليء بالأمنيات، مليء بالأمل وبالفرح، ومليء بالحزن.. وبالخيبات التي رافقته مطبوعة عليه كي لا ينسى..
قلبي عند بابه مثقل بالحكاوي التي قدّرها لي.. وبالتعب الذي يأتي من كل جهة بلا رحمة.. وبالأرواح التي توخزه كلما أشتاق لأصحابها!

أعترف عند بابه وأستاره أنّ قلبي مثقل (به) للحبّ الذي يفيض منه، لروحه التي تغمرني كثيراً بلطفه وحنوّه.. مثقل لأجله وممتنّ بشكل لا يفهمه هو.. ولا أعرف إن كان سيتفهم كونه ‪-قلبي-‬ معطوب بالحزن الذي لا ينبغي، وبالغياب الذي يتمناه لصاحبته.. وأيضاً رغم الأمنية.. لا يريد له أن يتألم منها وهي مجرد أمنية!

باب الله سماوات وجنّة.. !
وأنا أخاف من هذا العمر الذي يحقق الله فيه أمنياتي وأحلامي القليلات (وهي التي تتناقص كل عام عن سابقه) ..
أخاف حين أقرر أمنياتي الصغيرات، وهي التي تصبح أكثر عمقاً من أيّ مدى، أن تأتي بحياء وخجل على حين غرّة من الوقت أو.. من قدرتي على تحمّل مجيئها!
لكنّي مع ذلك أتمنّى.. وأضع أحبّتي مع هذه الأمنيات.. وأبعثهم رسلاً يمرون من باب الله الذي لا يقفل.
ولذا.. قلبي معلّق عند باب الله وأستاره محبّة، ويقيناً، وخوفاً، ورجاءاً.

في منتصف هذه السنة ومُضيّي إلى السادسة والثلاثين..
أقول لكم: كل معنى في الدنيا يصبح أبسط.. وكل علاقة تصبح -إلى حد ما- أعقد!
أغلب الأحداث ستجدونها أكثر منطقية بعد التعب.. وفوضوية أحياناً .. وستكونون مثلي حين أبدأ مرة أخرى في ترتيبها، ثم لا تلبث أن تعود إلى فوضى وأعود إلى ترتيبها.. وهكذا.

الأولويات قواطع طرق مهمة لتحديد علامات وقوفي وثباتي.. أي شيء آخر عداها يأتي في المقام الثاني حسب أهميته.. ممكن حدوثه أو غير ممكن ودون حسرات.

في المنتصف إلى ٣٦ ..
أؤمن أنّ عمري أصغر؛ أصغر من كل السنوات التي تأتي وأعظم من كل الأفعال.. أجمل من أعمار الآخرين وأعمق.
____________________
* محمود درويش.

no responses

Please Post Your Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *