كل حزن سماء و كل وجع قيامة

و أحسستُ بعمقكَ و عمقيِ . .
و أنّ الدنيا أهدتني مالمَ تقدرُ عليهِ أمي
و حملتُ رأسكَ بينَ يدي و بكيتُ
لأنّني أحسستُ بأننا واحدٌ بجسدين . .
و أنّ القدمِ منّـا إنْ تاهت فستتبعها قدمين.
و بعد ذاك تفكر في الغضبِ لأني طلبتُ منكَ أنْ تهجرني طالما أنا في هكذا منفى*

و لأنّي أُحبّك،،
أليس يُقال: ( في الناس أبدال… ) فأين عنكَ “بدلي” و قد تجمّد ما بيننا كلحظة التقينا و كان الزمن لبرهةٍ مجموع الكون فينا فكان “أنا و أنت” دون الوجود؟!
فلما استقيتُ من روحك حروفي كتبت لأنّ جمالاً صادقاً ضخّ بقلبي ما يجب لأظلّ على قيد الوحيّ/الحياة.
أما خطر ببالك لمرة وأنت تعتب عليّ وأنا ألملم شتات وجعي: فيمَ وضعتُ زوّادتي؟ وفيمَ علّقتُ حياتي لأهجر ما أُحبّ؟!
فكيف وكلّ ما ملكته كان ثقتي وقلبي وصدقي؟!
و إن كنتَ تأخذ من روحي قلبكَ و تهبني روحي، ترتّب لي لحظات عمري في انشغالي فيك و تكفّ عنّي فأنّي أريد منك أن تتنبّه لهذا العمر لأنه لا يمضي جيّداً دون حساباته على الورق.
تعرف كم من الزمن مرّ و أنا أدفع نفسي للكتابة مرة أخرى و أمحو ذاكرتي القديمة؟
كنت يا صديقي إذ فعلتُ أكتب برغبة روح حرة منطلقة إلى سماء، حُرّة .. باحساس مَلَك تعبّد في كل شبر منها  سجوداً.. و أطاع الله و ما عصاه.
كانت الكتابة شفاء روحي، وحيي، مؤامرتي لتفريغ نفسي من قيدها، مادّيتها.. من احساسها.. و من الناس.
كانت كذلك حتى تكشّف لي في مرحلة لاحقة أنّها فخّي الذي أوقعني فيه عقلي: تصوّر ذهني دون تصديق حقيقي.
ما كان سهل حقيقة أنّي إذ فعلت و محوت وجود شخوص هم القلب -في زمن سابق-، محوت جزءاً كبيراً منّي و منك أيضاً. لم أدرك هذا حينها لكنّي حين مررت حروفي القديمة تبيّنت جرمي حين بحثت عن نفسي فوجدتها موؤدة بقصد التشفّي، و ربما الانتقام.

 

تذكر حين راسلتك مرّة، قلت لك: “ كل يوم مرّ من هذا العام ازدادت معه قائمة مفقوداتي الداخلية -والروحية/مُتعي في الحياة- اتّسعت و تضخمت..
كنت أفكّر كيف سأقول لمن حولي أنّي لا أراني و لا أسمعني و لا أشعر بي.
ليس الأمر كأنّي أحمل ثغرة في صدري تصفقها الريح بعطب، لا! الأمر -بالمعنى الحرفيّ- كان انتزاعاً، اقتلاعاً، موت بلا موت حقيقي” ؟؟
و هالآن كبر العام ليكون من عمري عامان و نصف .. فهل لا زلت لا تفهم أنّه -عامي- كان ثورياً، كان انقلاباً علي ؟!

 

لطالما نازعتني نفسي إلى صبّ وجعي عليك و على العالم. أحدكما لم ينصفني حين ثُقلت بأحداث كفلت وسمي بالجنون و المرض طويلاً.
حياتي التي تعرف أنّ معظم أوّلها كان غاضباً تحت مسام جلدي و انعزالي.. حتى هدأت عن الانتقام و انشغلت عن الدنيا بكم.
أيّ أحمق كان سيفهم أنّ ما أنا عليه كان بسببكم -حروفي الأولى للبدايات-، لم يكن مهمّاً أنا أحببت من منكم أكثر، تعمقت في من أكثر أو زاوجتُ روحي بمن منكم.. !
الحقيقة المؤكدة أنّنا حين توصّلنا إلى بعضنا امتدت من قلب كل واحد منّا إلى قلب الآخر عروقاً و جذوراً وَصلتنا ببعضنا.
بينما كان جذراً عميقاً ذاك الذي وصلني بها دوناً عنكم. هي الأقرب عقلاً و قلباً و اختياراً.
لم تكن أبداً صداقة المصادفة.. و لا صداقة من خلال أحدهم. كانت صداقة اختيار.. نصيبي من الوجود حين أريد أن تظلّ الأشياء في أماكنها تماماً، حين أجيء في وقتي تماماً فلا أتأخر عنها بنبضة.. و يكون كل ما بيدي في اللحظة التي أتمناها: “هي”.
فلمّا فقدتها فقدت معها روحي، و قد كانت يقيني. اشتهائي للحياة حتى ما عدت أكتب بعدها سوى لون الغياب الحادّ.. و الأماني المستحيلة.. و الخوف.
أليس “كل حزن سماء و كل وجع قيامة” * فما بالك إذن تستنكر عليّ منفى؟؟

 

كنت أقلّب صفحات ديواني “ضوء مر” و أوقفتني عبارتي: ( ليس بوسعها ألا تورق مزارع الياسمين ) الآن تحديداً.. أردد ذات العبارة بابتسامة.. لِمَ؟
لأنّي لم أقل لك يوماً أنّي دعوتُ بهذا الدعاء، دعاء المتيقّن بالإجابة و الرضا: ( اللهم انزع عن قلبي هواها، اللهم انزع عن قلبي هواها، اللهم انزع… ) أردت أن أكفيك الغرابة و السؤال: لِم دعوت بذلك و في القلب ما فيه لكم و لها جميعاً.
لطالما تردد بخاطري سؤال دائم عن مدى احتمالي لفقد أحبّتي، عن الوجع الذي يخلّفني في أقصى الحُطام و يُهشّمني حتى لا يبقى منّي شيء سوى “فراغ” لا حدّ له حين أمرّ بفقدهم تماماً.. و قد كنت أظنه كذلك.

منحني الله ما أردت.. و جرّبت!
سقطتُ حتى تكسّر كلّي على بعضي..
.. سقطّت حتى تفتّت روحي و لم يبقَ من الدنيا سوى اللحظة التي سجدتُ فيها وناديت: “الله”.
و حتى كان اليقين لحدوث “استجابة” أرمم بها روحي لا تختلف عن الاستجابة التي وددت فيها أن يُنتزع هواها من قلبي حين ناديت و قلت ( يا ربّاه! )، لأنّي في كلتا الحالتين كنت لا أزال أنا.
أنا قبل الصدمة و أنا التي هي: “أنا” الزائدة عن حِمْلي بعدها، و التي تعاني آثار انسحابهم من روحها.. من آثار اكتشافها خيبتها فيهم.. في تورط أفعالهم فيها، و أفعالها فيهم، و الخذلان التي تعاظم جداً حتى ما أبقى لعفو مقام !
لم يكن الفقد أبداً ذاكَ الفراغ الذي ظننت و لا الخواء الذي تصوّرته قد يلفّ الحياة حين يحصل حدث جليل كالفقد ليس لشخص واحد فقط.. بل متزامن مع فقدك لأشخاص أقرب من عائلتك إليك، هم الـ -كما قرأتُ مرة- قطعة من عقلك، و أضف إليها.. و من قلبك.
لأنك تعلم أنه كثير ما كفى في الشوق استدراك ما فات بلقاء يعوّض تعب الغياب، غير أنّه يستقر كتعب للروح إذا ما انتهى الأمر بخديعة و وقيعة مكر.
و تظل و الذاكرة ندّين طوال العمر! الذاكرة أخطر ما في الحب، و أوجع ما بعده. هي: الأثر الذي يبقى بدمع أو بفرح، هي: الحمل  الزائد فينا من كل شخص عبرَنا.
فتات الجمال الذي كان “كُلاّ” واحداً ثم تجزأ بوجه قبيح.. قبيح جداً إلى فعل قاتل.
تخيّل الأمر هكذا.. قلبك/روحك.. آلة وترية يحملها عازف متمكن حتى يفقد وجهته و ينشز في العزف إلى أن ينقطع وترها بألم.
هذا أنا تماماً.. !
و بجدّية أكثر.. لا أعرف تحديداً بمقدار كم ساهمتُ في جعل ذلك ممكناً -لكنّى فعلت- و وجدت أنّي لم أكتفِ بإيلامَ نفسي فقط.. تعدى فعلي ذلك لمن حولي من أحبّ و أتقاسم معهم حياتي و أشاطرهم روحي.. رغم أنّ ذلك لا يصحّ و لا يكون.

 

الحياة التي لا تمضي جيداً ليست إلا إشارة تنبيه أنّك تسير بتوجّه خاطئ.. ليس إلى مسار أو نتيجة خاطئة فقط، لا!! بل حتى توجّهك.. أسبابك.. أفعالك.. و احتمالات الخطأ في كل ما تفعله أو في اختياراتك.. كل هذا ينبّهك إلى أنّ روحك/قلبك بحاجة لكثير من التصفية و الغربلة.. و الإحياء.
ليس سهلاً و أنت في “عزّ معمعة” التوجّه السابق أو في عمى بصيرتك أن تلتقط هذه التنبيهات.. ربما إذا كنت متيقظاً لنفسك و لنتاج أفعالك ستنتبه لكن بصعوبة شديدة جداً، إن لم يقر في قلبك إيمان!
و هنا ورطتنا.. جميعاً. سأتجاوز عن الحديث في هذه الأمور لأحكي لك عن أمر آخر.
حصل في أثناء محاولات عودتي للحياة بعيداً عنك، و عنهم بالتأكيد، أن تورطت في لعبة أخلاق مع صديقات مجموعة نون* كانت عبارة عن خيارات متفق على أنها جميعها في وضعها الأخلاقي سيئة.. لكنك مضطّر لسبب أو لآخر ترتيبها من الأشد سوءاً إلى الأقل.
تعلم أنّه لم يحدث لمرّة أن دمعت عيني أمام أحد، و لا أن تهدج صوتي ببكاء أحاول معه أن أتماسك بقوة حتى لا أنهار أكثر، لكنه يومها حصل.
كنت أدرك ببساطة مدى الشرخ الممتد من روحي إلى ظاهري.. لكني لم أعرف -بصدق- لِمَن أبكي؟ أو.. مِمَ أبكي؟!
ستسألني كيف مرّ عليّ ذلك؟
اللحظة التي تلت اختناقي كانت داخلي باردة.
عقلي يصرّ على فكرة واحدة فقط: “توقفي، غادة توقفي.”، بينما روحي تسّد ثغرة نفسها بمشقة. الجميلات اللاتي تفاجئن منّى -ربما-، إحسان* التي غطّت وجهها بالمخدّة منحتني -لحظة دراما كوميدية- لحظة باسمة و امتنان عميق لفعلها أردت أن أضحك بصوت عالٍ منها لكن مع وضعي و هيئتي سيكون موقفي هستيري كمهرّج سيرك..
باقي المجموعة إلى حد كبير صمتن باهتمام لما كنت أقول، و أنا كنت كفرس سباق تعثّرت عند أول حاجز، تلملم أطرافها سريعاً و تأخذ نفس طويل لتعوَّض فوات وقت اصطدامها بالحاجز للوصول لنهاية مشرّفة، وَ … ( مشي الموضوع ).

حين سألتني فوز* في نهاية لقائنا: ما الدرس الذي ستقولينه لي هنا؟
كانت كمن ينبّش عن ميّت دفنته في روحي بيدي. أحسست علامة استفهام لئيمة جداً ظهرت لي بوجه يمدّ لسانه يعيب عليّ أنّي انتقصت نفسي لأمنح أحدهم كلّ هذه الأهمية بالبكاء، لكنه لم يكن شخص واحداً.. كنّآ في الحقيقة أربعة أشخاص مع التوابع.
ما قلته حينها كان شيء ذكرته مرّات عديدة على معرفي في تويتر، حتى حينما قلته ذكرته و أنا أُحيّدُ مشاعري جانباً، في نتيجة وصلتها مسبقاً قبل ذلك اللقاء بعام. قلت بما معناه أنّه لا أحد يستحق منّآ أن ندفعه ليفعل ذلك بنا.. لخداعنا.. تغافلاً منا أو تعمداً منه، خاصّة إن كان صديق.
قلت لها و لإحسان: “تنبّهوا لصداقاتكم، لمن تحبون.. للأمور .. الأحداث التي بسببها تتغيّر الأرواح و القلوب على بعضكم البعض.. و لا تعودوا متأكدين -حين يحصل أمر مماثل لكم- من الأسباب.” من يفعل ذلك بنا هو شخص لا طائل من معرفته أو بقاءه.

و أكمل هنا لك بوضوح أكثر..
حياة الواحد منّا لا تستقيم إلا بمناصفة التعب جسدياً و نفسياً مع آخرين. و لذا كان من متع الروح حين تجد من يقبلك و تقبله دون عتب و شفقة أو انتقاص. من يختارك لترافقه عمراً.. و تختاره ليهبك أفضل و آجمل و أكمل ما عنده من نفسه و من الحياة.
و لأنّ الأصدقاء عندي أناس بمرتبة جنّات عدن، الفردوس.. سدرة المنتهى .. لا أحتمل خسارتهم إلا بمغالبة روحي على الحياة مرة أخرى.
بعد كل هذا ستسألني: لم أقول لك إذن ( في الناس أبدال… ) وأدعوك لفقدي بينما يفترض أنّك من القليل النادر الذي تبقى لي منهم؟؟
لأنّي أحبّك.. و الله.
و لأنّه لا طائل من التعلّق في الوجود كاحتمالية بقاء أو رحيل.

 

صدقني أنا الآن.. بكثير من الرضا و القناعة: ساق ياسمين يكبُر و يروي مزارع ياسمين .
لكنّي أيضاً.. كفرت بالحبّ و بالناس و بالثقة، و آمنت بالله حقاً و يقيناً.

 

 

غادي،
٦:٤٠ صباحاً

 

no responses

Please Post Your Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *