جرحها القلب

قالت العرّافة:
( مُحرّم على الأهواءِ مسُّكَ إلا بضوءِ شَتّت في وجهته البدء..
يُحارُ فيه الكون ويعمى.
مُقيد إلى النبض ذريعة الحاجة، والقلق، والغيرة..
وحنانها الذي يلسع صدرك كلما غبت.
لـ يُلبسك الرب رجاءً وممشى تبصره بقلبك..
ونوراً يملأ عينيك.. فـ تهدأ..
وليمنحك نبضاً تعرفه الأعين ولا يقتاده الخَرَق..
ورضاً بقدره..
ومن ثمّ رضاً بها..
…………………. وثقة بك. )

هكذا رددت، نفثت في صدري غيّها..
عوّذتني في النشوة الأعمق وقالت آمين.

قبلها وأعني عرّافتي.. جاء الفرح وجاء الوجع وشيء من البهجة ما اعترضت عليهم لأن لا ضير من ذلك في زمني.. وفي نبضي.
أظنّها كانت حاجة لـ ضياع آخر مختلف تماماً عن الموت دون وطن.

– استفتِ قلبك.. يا أنا!
– لكنّه مُوَجّع، بحيث لا يمكنه التطرق للحظة ذكرى دون المرور من عنق الموت؟!
– رجاءً.
– لأجل ماذا ؟
– . . . هه.
– بحق الله، لِمَ ؟
– لأجل الحزن، لأجل الغياب، لأجل أني أجدها في الصدر كنبضة، كدقة، كدفق يمر أوردتي وشراييني بلا حول ولا قدرة.
– طيب!
– استفتِ.. قلبها بالمرّة.

كنت أقرأ:
[ الثورات كالموت والموضة، هي تكنيس النفايات واستئصال الزوائد التي لا نفع فيها؛ وهي لا تقوم إلا إذا كانت هناك أشياء كثيرة في طور الاحتضار ] 1، حين امتدّت ببياض غير منتهٍ.. لم تُودِعُهُ الروح وجعها بظل دمعة سقطت وحدها على كفّ مطر.
كنت الأدنى عمراً والأغضّ نبضاً.. حين شقّت عن قلبها وسكبت فيه على دمها دمي.

ما كان مهماً ما سيمليه عليّ القلب حينها أو العقل، كنت بحاجة لأن أعرف مالذي يحصل لي معها. كان غريب عنّي هذا الاكتفاء بها وجديد عليَّ.
فلم يقل لي أحد يوماً عن ماهية الشعور باللذة -غير الآثمة-..، باللهفة، بالضياع، بجوارحي التي تحرك كلّي بحثاً عنها في كل اتجاه، بالشغف الذي لا يهدأ. ذلك التعلّق والانغماس فيها.
ولم يذكر أحدهم إن كان للحب الأعمق طقوس تُمارسُ بدقة.. فينتشي طوال العمر مزهواً كـ قوس قزح.

وإذا كنت أذكر العرافة، مُعوّذتي، فذلك لأني لم أكن حينها في حلم ولا وسط يقظة، كما أنني لم أكن في بعد آخر..
كنت ببساطة أتبعُ قلبي فقط ورغم ذاك كنت ما أزال في أقرب نقطة من الحب.. وأبعدها عن اليقين.

هيَ.. الـ فاضت قبل أي شيء.. ثم امتطت الغيم بلا إذن.. وهطلت عليَّ.
غاضت في رحم النبض وروت القلب طيباً.. كورد حطّ على عمر باهت فأورق وأزهر.

حزني كان رفيقاً منذ الصغر، كأول الخطى الثقيلة الـ جثمت بالقلب على ممشى حجري.. ووأدته.
وكان ثمة ما يتورّم بالداخل كفيض بكاء وأشياء أخرى.. لمّا جاءت في حزنه وصوته دمع:
[ كسرت قلبي..
وخلعت روحي..
وفي لحظة ” … ” ] 2
.
.
ماذا؟
.
.
.
سقطت أنا.. !!
الأقرب للجمادات من حياة دَهِشَة.
أقرب للصمّ.. للخرس.. لمغادرة منفى.. وعودة لوطن.

هل خطر ببالها حينذاك أنّي تساءلت عمّ جاء بها تقايض ببؤسي الفرح ؟
أكان الشوق الذي يسكب الوريد شمساً .. والمحيط صلاة ؟
أم.. شاءت غَرْبَلَتي ؟

هي.. الـ تسكن الدهشة وترتدي الأحلام عباءة رغبة..
خلّفتها فيّ كـ جرح في الصدر يحوي بضع ذكريات يتيمات ونصف حياة.

يالله، في البدء كانت الكلمة.
قارب النور الظلّ وانتهك العتمة.. وصار تاريخها تاريخ اللقاء الأهدأ.. وذاكرة الافتعال الأول.
لبست رجائي ومشت بي، ومشت عنّي، أوصدت النور عن سكوني.. وذهبت بانكسار الغيم..
[ كما لو أنّ شفرة رهيفة قد فضّت روحها فـ أنّت وتأوّهت بلا وجع ] 3 ، كما لو وَلّت بمغيب.
هي بعد ذاك التاريخ.. تاريخ أول.. باعتذار مسبق.

هل شككت في أنها كانت المطر ؟
لا، كأنها المطر..
(ربما) كأنها وكأنني حين قالت -للمرة الثانية- أحبك، أمَرَت الزمان في صدرها وجعلته آخراً.
لفّت في كفّي حضورها، نقشت عليه خطوطها.. تسع وست تشققات، كان يخضّر عليها العمر ويعشبّ القحط.. وتزهر الورود بذكرها.
كانت.. كائن -حين تُطلّ- يأتي من عيون الغياب “بلهفة”، اشتهاء آخر لـ دقة في الصدر تكبر بلا حد ويستحيل -على التمام- ريّها.

لاقتني ببساطة الرغبة وشجاعة الاحتمالات -وبصدق دهشتي- .. لم تشأ في قدومها معرفة ما بإمكاني أن أقدمه لها.. صداقة.. أو حب.. أو لاشيء أبداً.. كما أنها لم تسأل.. وبدوري لم أقل.
ربما لم تتنبه أني أحمل على القلب توقيعين لذاكرة سماء حزينة.. ولونين يمتزجان بغربة غير متناسقة.. وغير مسالمة أيضاً..
ربما لم تقتنع -من هيئتي- أنّ قلبي ليس بقلبي أو قلبها، فـجاءت مرة أخرى بودّها.. ومرّت بثقب إلى الذاكرة واجتازت حزناً خفيّاً سكن الصدر منذ أمد حتى تلاشى بصعوبة.

وتهزجُ في ميلادنا:

كل عام..
وبيننا حب يستمر
كل عام..
وحلو الأيام بيننا تمر
كل عام..
تتقارب خطانا لأمل منتظر
لأمل يجعلنا نحمل قلباً واحداً..
لا.. ينكسر.

وأهزج معها بثقة.. ( لااااااااااااااا ينكسر )
وأدري.. وحده قلبي كان منفطر.. ؟!

ما بين هنا وهناك.. حقيقة جعلتها مسافة ضوئية مرّت كـ لمحة.. أو -بدقة- مسافة لحظة.. بقيت كـ عمر.
هل تفي دمعة بحجم القادم من الوجع.. أم بحجم الماضي من فقدِ.. لأنسى؟

يا نصفي الآخر من الغياب..
يا هِيَ الـ تمادت في جبروت الرحيل..
ترفـّقي.. حارق طعمهما.. ومرّ كقسوة.. كما لا حياة.

حدّقي في ثغرة من قلبك بدأت..
حدّقي في كفّك الـ خنقت عمراً كان بك مزهواً وصار كـ رشة عطر خبت رائحته بعد انتشاء.

أخشى حين ألقاكِ يوماً أقول بعد رفات طويل.. هذا رمادي.. انثريه في دمك حيث ابتدأت وانتهيت.
اكتبي على شاهدتي ( موسوم قلبه باليُتم.. ومُعلنة روحه للوحشة ) .. عسى إن مر بها نبض -فيكِ متيّم- يُغريه بالهرب ليعلن أنّ لا مُعين على زمن القلب أكبر ثغراته.. والذاكرة أسوء ما فيه.

أوراقي -بسببكِ- تشي بصعوبة.. حين لا فائدة من بوح تخذله الأرواح..
أصبح للحبر طعم “جريمة” وللورق مذاق حديث عجز صاحبه عن الافصاح به.. حتى تطاول وركن إلى سكون؟!

الآن..
أحملُ على كتفي تاريخ أفولها.. وذاكرة أعتذر بها عن الأمل. واختصر العمر الذي ولّى.. بها ودونها.. بالطور التالي للاحتضار.

تُطلق الأمانيّ.. ألقاً.. في انحسار الغيب واطباق النور على الوجود.. كغد تنصّل من مهامه وقرر الانطفاء.
وكأنها…
حين غُيّب عنها الوجع ارتدت الحداد يقيناً.. وذَهُلت.. تحيك حياتها (وحياتي).. مع المطر ، وكنت مجرد حضور لـ زمن سـ “ينتهي”!

الصدق (أيضاً).. غواية المطر!
له رائحة يشتمّها الحزانى.. ويتتبعها الغاوون أول الهطول وآخر الاخضرار.. الغافون في زمن يُتقن التطرّف في الاشتعال!
وكرماً.. أهبهم لك واحداً واحداً.. يامطر.. بلا مواربة ولا تنصل.. بدون التورط في حزنهم وغيّهم.. ونبضهم.. وبلا قيد سوى أن تهبني ما شئتَ.. عدا.. ذاكرة يتيمة تتوحد معها الأشياء.. وتطّوف بي الأرجاء دونهم..
وسأمتنّ كثيراً !

سأرضى إن جئتني –أيضاً- بدمع تصحو عليه عيني.. ودفء يستفيق به نبضي.. وقلب لأبكي فيه ويبكي معي..
وسأرضى أيضاً.. إن منحت الشوق سئماً وسبيلاً يجمعني وآخره.
ثق أنّه لاشيء سيضيق بعد والمسافات وغيابنا يفيان بذلك أصلاً.. يا مطر، مُدّ كما شئت وداعاً.. فلا أحد سيبقى ؟!

– استفتِ قلبك.. إذن.
…………………. ( قلبك المنكسر ) !

 

 

 

______________________________
1- ويل ديورانت، مختصر قصة الحضارة.
2- على لسان المعتمد بن عباد في مسلسل ملوك الطوائف.
3- أمين صالح، رهائن الغيب.

4 تعليقات

4 thoughts on “جرحها القلب

  1. أيتها الضوء المجروح ..
    بعد أن أنهيت القراءة ، ران الصمت على المكان .. للحق ، مكاني دائماً صامت ..
    لكن هذه المرة .. كان الصمت بذهني .. وضعت أصابعي على الكي بورد غايةً في إنسلال التأثير الذي نقشته خاطرتكِ في عقلي ..
    لكن قابلت لوحة المفاتيح بجمود أصابعي .. لم تشأ الحركة ، فـ لم يأتيها أمرٌ محدد ..

    يــــــــاه .. هذا ماراودني حين الإنتهاء ..
    بالتأكيد لن يكفي ، لكنّها كانت محمّلة ومثقلة بالإنبهار ..
    وكأنكِ جمعتي حزن هذا وذاك ، وشكّلتيه في ضوء مجروح ..
    وأليس جرح الضوء أكثر ألماً ؟! .. فـ لن يستطيع أحد ملامسته لشفاءه ..

    بعامِ جديد .. كوني بخير عزيزتي ..
    وليكن قلبك الآخر .. وهو الأهم .. بألف خير ..

    وقلبي معك .. 🙂 ..

  2. اهلين بالدكتورة ..

    في هذا النص بالذات.. علّق الكل على المطر .. بينما جئتني بالضوء..
    جعلتني أبدأ فكرة مغايرة تماماً.. الضوء مؤلم .. ؟ مُحرق ؟.. أهو كذلك..
    واتتني الاجابة حين تذكرت الظلمة يا صديقتي -اسمحي لي- .. الظلمة فقط .
    الضوء يصير قاتلاُ للنظر حين يبقى فترة طويلة جداً في عتمة شديدة..
    ولذا يكون صعباً علينا خسارة أناس مارسوا معنا “الحياة”فترة طويلة بسبب أشياء تافهة.

    كل عيد وأنتِ طيبة..
    ويسلم قلبك..

    بعيد عن النص:
    الآه على صدقها وزفرتها الحارة.. لا تكفي أبداً..
    حين يصبح قلبك هو الآخر.. مثلك تماماً مُحترق!
    آمل بصدق ألا تفقدي أحداً .

  3. يافا..

    تاريخ أفول الحضور.. والوجود.. والحب.. والمشاركة.. وأشياء أخرى كان على مشجب الأمل بالبقاء والصمود..
    حين تتساوى لديك الأمور.. وتصبح الأشياء لا فرق فيها.. تعتذر لنفسك عن أمور تتمنى لو لم تخضها..

    انا أعتذر لنفسي عن صداقة.. دامت 11 سنة.. وكان مصيرها ( مقبرة الذاكرة ).. والخيبة!

    كنت أتسائل في الحقيقة -بيني وبيني- من خاب ظنه في الآخر أولاً..؟!

Please Post Your Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *